الشيخ محمد علي طه الدرة

249

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

التامة ، فهي يائية العين المفتوحة في الماضي ك « باع » ، ومصدره الكيد كالبيع ، ولذا جاء المضارع في القرآن مختلفا ، فمن الأول قوله تعالى : يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ . . . ومن الثاني قوله تعالى : فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً ، ومعنى الأول المقاربة ، ومعنى الثاني المكر ، والأول ناقص التصرف ، ويحتاج إلى مرفوع ومنصوب ، والثاني تام التصرف ، ويكتفي بالفاعل ، وينصب المفعول به . فائدة : قد تأتي ( كاد ) بمعنى أراد ، قاله محب الدين الخطيب شارح شواهد الكاشف ، وجعل منه قول الأفواه الأودي : [ البسيط ] والبيت لا يبتنى إلا بأعمدة * ولا عماد إذا لم ترس أوتاد فإن تجمّع أسباب وأعمدة * وساكن بلغوا الأمر الّذي كادوا أي : الذي أرادوا ، ومنه قول الآخر : [ الكامل ] كدنا وكدت وتلك خير إرادة * لو عاد من زمن الصّبابة ما مضى أي : أردنا وأردت ، دليله ( تلك خير إرادة ) . تنبيه : شاع على الألسن أن نفي « كاد » إثبات ، وإثباتها نفي ، ولذا ألغز المعري بقوله : [ الطويل ] أنحويّ هذا العصر ، ما هي لفظة * جرت في لساني جرهم وثمود إذا استعملت في صورة الجحد أثبتت * وإن أثبتت قامت مقام جحود فأجابه الشيخ جمال الدين بن مالك ، صاحب الألفية بقوله : [ الطويل ] نعم هي كاد المرء أن يرد الحمى * فتأتي لإثبات بنفي ورود وفي عكسها ما كاد أن يرد الحمى * فخذ نظمها فالعلم غير بعيد وقد اتفقت كلمة النحاة على أن ( كاد ) كسائر الأفعال ، وكلامهم متقارب المعنى في هذا الشأن ، ومتشابه ، انظر الشاهد [ 1127 ] ، من كتابنا : « فتح القريب المجيب » والأشموني وغيرهما ، وها أنذا أسوق لك ما ذكره السيوطي رحمه اللّه تعالى في كتابه : ( همع الهوامع ) لتكون على بصيرة من أمرك . قال رحمه اللّه تعالى . والتحقيق : أنها كسائر الأفعال ، نفيها نفي ، وإثباتها إثبات ، إلا أن معناها المقاربة ، لا وقوع الفعل ، فنفيها نفي لمقاربة الفعل ، ويلزم منه نفي الفعل ضرورة أن من لم يقارب الفعل ، لم يقع منه الفعل ، وإثباتها إثبات لمقاربة الفعل ، ولا يلزم من مقاربته وقوعه ، فقولك : « كاد زيد يقوم » معناه : قارب القيام ، ولم يقم ، ومنه قال تعالى : يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ أي : يقارب الإضاءة ، إلا أنه لا يضيء . وقولك : « لم يكد زيد يقوم » معناه لم يقارب القيام ، فضلا عن أن يصدر منه ، ومنه قوله تعالى : إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها أي : لم يقارب أن يراها ، فضلا عن أن يرى ، وقوله تعالى : وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ أي : لا يقارب